ابن قيم الجوزية
478
شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل
يسميه أحد من العقلاء فعلا وإن كان أثرا من آثارها ومتولدا عنها ، كتأثير النار في الإحراق ، والماء في الإغراق ، والشمس في الحرارة ، فهذه آثار صادرة عن هذه الأجسام ، وليست أفعالا لها ، وإن كانت قوى وطبائع جعلها اللّه فيها ، فالفعل والعمل من الحي العالم لا يقع إلا بمشيئته وقدرته ، وكون الرب سبحانه حيا فاعلا مختارا مريدا ، مما اتّفقت عليه الرسل والكتب ، ودلّ عليه العقل والفطرة ، وشهدت به الموجودات ناطقها وصامتها ، جمادها وحيوانها ، علويّها وسفليها ، فمن أنكر فعل الرب الواقع بمشيئته واختياره وفعله ، فقد جحد ربّه وفاطره ، وأنكر أن يكون للعالم رب . الأصل الرابع : أنه سبحانه ربط الأسباب بمسبباتها شرعا وقدرا ، وجعل الأسباب محلّ حكمته في أمره الديني والشرعي ، وأمره الكوني القدري ومحل ملكه وتصرفه ، فإنكار الأسباب والقوى والطبائع جحد للضروريات وقدح في العقول والفطر ، ومكابرة للحسّ ، وجحد للشرع والجزاء ، فقد جعل سبحانه مصالح العباد في معاشهم ومعادهم . والثواب والعقاب والحدود والكفارات والأوامر والنواهي والحل والحرمة ، كل ذلك مرتبطا بالأسباب قائما بها ، بل العبد نفسه وصفاته وأفعاله سبب لما يصدر عنه ، بل الموجودات كلها أسباب ومسببات ، والشرع كله أسباب ومسببات ، والمقادير أسباب ومسببات ، والقدر جار عليها متصرف فيها ، فالأسباب محل الشرع والقدر ، والقرآن مملوء من إثبات الأسباب ، كقوله : بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 105 ) [ المائدة ] . بِما كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ ( 39 ) [ الأعراف ] . ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ ( 10 ) [ الحج ] . فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ ( 30 ) [ الشورى ] . كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ ( 24 ) [ الحاقة ] . جَزاءً وِفاقاً ( 26 ) [ النبأ ] . فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هادُوا حَرَّمْنا عَلَيْهِمْ طَيِّباتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيراً ( 160 ) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَوا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ ( 161 ) [ النساء ] فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآياتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنا غُلْفٌ ( 155 ) [ النساء ] إلى قوله : وَبِكُفْرِهِمْ